مفهوم الإسلام بين عالمية الدعوة و أخطاء المسلمين

تناولنا شرح أبعاد مفهوم عالمية الإسلام من خلال استعراض ثلاث آيات من سورة الأنعام هي قوله تعالى " قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم , ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق , ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون , ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده و أوفوا الكيل و الميزان بالقسط , لا نكلف نفسا إلا وسعها و إذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى و بعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون وأن هذا صرا طي مستقيما  فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون" (الآيات 151-153).

 

وقلنا إن الآيات الثلاث قد اشتملت على موضوع واحد متكامل الأركان يتكون من ثلاث مستويات هي: التعقل , والتذكر , والتقوى , وقد ربط بين أركانها بسياجي المعنى و اللفظ , وقدم له بمقدمة منطقية وظفت توظيفا فنيا لخدمة الموضوع , وقد استعرضنا في المقال السابق المقدمة وبندين من البنود الخمسة التي يتألف منها المستوى الأول ( التعقل ) , وهما : التوحيد والترابط الأسري , وأما البندان الثالث والرابع فهما ما نصطلح على تسميتها بالاستقامة الذاتية و الجماعية ( أو التقويم الذاتي والجماعي ) فمأخوذ من قوله تعالى " ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن" فقد جعل الله تبارك وتعالى لهذا المبدأ أسسا أربعة أصلت لها الآية الكريمة, الأول : هو تقويم الإنسان فردا وجماعات على أساس سلامة القول وسلامة الفعل من خلال تنفيره من قبيح القول و قبيح الفعل , لأن الفحش والفحشاء والفاحشة ( وجمعها الفواحش ) هي القبيح من القول والفعل " كما ورد في لسان العرب / فحش " أو هي كل ما يشتد قبحه من الذنوب و المعاصي , كما أن في الفحش أيضا دلالة التعدي ومجاوزة الحدود , فورد عنه أيضا أن كل شيء جاوز قدره وحده , فهو فاحش " أنظر كذلك لسان العرب / فحش " فالأصل في الإسلام إذن أن يكون المسلم فيه جميل القول وجميل الفعل " باعتبار الجمال ضد القبح الوارد في تفسير الفحش " فإن كانت البنية الأساسية في المجتمع المسلم ( وهو الإنسان المفرد ) جميل القول وجميل الفعل كان المجتمع كله جميلا قولا وفعلا , وانعكس ذلك على الفكر والإنتاج والعمل و التعامل , فأصبح الأصل فيه هو السلوك الطيب الجميل الذي لا يقبل فحشا ولا يرضى بالخروج على أساسيات التعامل فيه .

والأساس الثاني : من أسس هذا المبدأ هو تدريب المجتمع على التنفير من مهيجات الفواحش نفسها فحسب , لأن الإسلام دين العقل والتعقل وليس من العقل في شيء أن يحرم على الإنسان أشياء يبيح له أسبابها ودواعيها ويحلل له مهيجاتها وإلا لأدت المهيجات إلى الوقوع في الفاحشة أو أدت إلى العذاب النفسي بسبب الفتنة بين محاولة إرضاء الله تعالى بالبعد عن الفواحش و الرغبة في إرضاء النفس بعد أن أثيرت بأسباب الفاحشة , وذلك مأخوذ من قوله تعالى " ولا تقربوا الفواحش " ولم يقل : " ولا تفعلوا الفواحش " لأن التقويم الحقيقي للسلوك لا يكون بمجرد عدم فعل الفاحشة وغنما يتم ويزكو بعدم الاقتراب منها والتفكير فيها والانصراف عن مهيجاتها وأسبابها غذ كيف يكون الزنا محرما على الإنسان , وهو يعيش بين مثيراته من خلال كشف المرأة لعوراتها و خروجها عن حدود أدب التعامل بينها و بين الرجل ؟ فالإله الذي نهى الإنسانية عن الزنا في قوله تعالى " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " ( الإسراء 32 ) أراد البعد عن ملابساته وأسبابه ومقدماته ومثيراته بقوله تعالى " ولا تقربوا" لأن الاقتراب بإطلاق النظر والمثيرات لا تؤمن عواقبه فهي مؤدية في الغالب الأعم إلى الزنا الحقيقي , كما قال تعالى في سورة النور "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " ( النور 30 ) فالنهي هنا عن النظر باعتباره وسيلة مفضية إلى الزنا , ومثيرا من مثيراته الأساسية لأن الله تعالى جمع بينهما في الآية الكريمة فقال : " يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " فغض البصر للمؤمن الذي يفعله من وحي إيمانه وتقواه كفيل بحفظ فرجه من الموبقات والمعاصي والمخالفات , ومن أطلق بصره أثار في نفسه تداعيات الجريمة فسهل عليه ارتكابها , كذلك الفواحش فإن الله تعالى لم يأمر خلقه بالبعد عنها وإنما أمرهم بالبعد عن أسبابها المفضية إليها وملابساتها حتى لا يصعب عليهم تركها متى وقعوا فيها وحتى لا يكون وقوعهم فيها سهلا إذا لم يحرم عليهم الاقتراب منها , وبمقتضى ذلك فإن الإسلام لم يحرم عليهم الاقتراب منها , وبمقتضى ذلك فإن الإسلام يحفظ للمجتمع سلامته من خلال تأمين بابين عظيمين من أبواب الشرور و الآثام والمصائب , هما القول والفعل وقبل أن تقام الأمم على الفضائل لابد أن تربى على ترك الفواحش والمنكرات وترك التلبس بأسبابها أو التحرش بمهيجاتها , وهي القاعدة الإسلامية الجليلة : " ترك المفسدة مقدم على جلب المصلحة " , ونخلص مما سبق أن قوله تعالى  "ولا تقربوا الفواحش " اشتمل على أمرين أحدهما التنفير من الفواحش , والثاني التحذير من مهيجاتها وأسبابها و مثيراتها , فيكون أبلغ وأقوى من النهى عن الوقوع في الفاحشة .

وأما الأساس الثالث : فهو التدريب على مراقبة الله تعالى في السر , و مراعاة الأدب مع الخلق في العلن , وذلك في قوله تعالى " ما ظهر منها وما بطن " فهو بيان لهيئة الفواحش وأحوالها , سواء منها ما كان باطنا في سريرة الإنسان لا يطلع عليه غير مولاه , أم كان باديا ظاهرا لغيره من الناس ليتعود المسلم بذلك أن تكون علانيته كسريرته , فهو صادق واضح , لا يصنع في العلن ما يستحي من ارتكابه سرا , لأنه يراقب ربه في الناس و في نفسه ويعامل الناس بمقتضى تلك المراقبة فيه فالمسلم الحق ليس كذابا ولا غشاشا لأن قلبه قد سلم من آفات الغش والتدليس وانتفع بقول ربه سبحانه " يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم " ( الشعراء 89 ) فالقرآن الكريم بذلك يدرب أتباعه على أن تكون أفعالهم الظاهرة فيما بينهم تطبيقا صحيحا صادقا لما تكنه صدورهم دون أن تنطوي صدورهم على غش أو رياء أو نفاق , ذلك إذا كان الظهور والخفاء متعلقين بحالة الشخص نفسه , وهذا ما نتعرف عليه في الأساس الرابع فيما يلي : وأما الأساس الرابع فهو الثبات على الحق و الصبر عليه , والصدق في أدائه , وهو مأخوذ من المقطع السابق نفسه في قوله تعالى  " ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن " وذلك إذا اعتبرنا الظهور و الخفاء في الآية متعلقين بالفواحش , فيكون معنى ظهورها حينئذ ما حصل له الإجماع والاتفاق الشرعي والعرفي على فحشه ,ويكون الخفاء بحصول الحكم الشرعي فقط دون العرف , فقد ينكر الشرع شيئا يقره العرف ويفرضه , وحينئذ يلتبس وجه النكارة و الفحش فيه على كثير من الناس , لشيوعه عرفا , وذلك عند شيوع الفوضى وقلة اهتمام الناس بدينهم وانتشار الجهل والآية بذلك تحض المسلمين على ضرورة الالتزام بأحكام دينهم وعدم التفريط فيها سواء حصل لها إجماع من عرفهم أم لم يحصل وألا يغرنهم كثرة اللاهين عنها والعابثين بها إلى التراخي في أدائها والتهاون في الالتزام بأحكامها , فهي لا تنمي فيهم خلق المراقبة فحسب , وإنما تجمع إليه خلق الثبات على الحق والصبر عليه و الصدق في الأداء .

وأما البند الأخير ( الخامس ) في منزلة التعقل , فهو الأمن الاجتماعي , وهو مأخوذ من قوله تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " فقد عظم الله تعالى حرمة النفس البشرية وبالغ في أمر المحافظة على حياتها كما بالغ في شأن التهاون معها بالضرر والإتلاف , كما قال تعالى " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا... " ( المائدة 32 ) , فالاستثناء في سورة الأنعام من قوله تعالى "إلا بالحق " هو ما فصلته سورة المائدة من قوله تعالى " بغير نفس أو فساد في الأرض " فالنفس في الإسلام ذات حرمة عظيمة لا تقتل إلا قصاصا بسبب تعديها على نفس أخرى , أو حدا بسبب تعديها بالإفساد في الأرض , وفي كلتا الحالتين لا يتم القتل إلا استجابة لأمر خالقها واستجابة لتشريعه , فقد عظمت بشرعه و أهينت بشرعه , ولا تدخل لهوى أحد في ذلك فهو مالكها والمتصرف فيها , كما أنه لا يقوم بذلك أحاد الناس وعامتهم , و إنما يقوم به ولي أمر المسلمين ( الحاكم ) أو من ينوب عنه (القاضي ) وإلا لأصبحت الحياة فوضى لا ضابط لها وغابة يسود فيها القوى ويهلك الضعيف , وربما لبس الشيطان على المسلم أفكاره وزين له قبيح أفعاله وسوغ له القتل بمبررات يقنعه بها , مستغلا جهله تارة وحمقه تارة أخرى , فيصور له القتل ثأرا أو جهادا في سبيل الله أو شهادة تهفو نفسه إليها , فلا يكتفي حينئذ بجريمة القتل وحدها , وإنما يجمع عليها شعور الرضى والاطمئنان والارتياح بعد تنفيذ عمل بطولي عظيم  سينال عليه الجزاء الأوفى و المنزلة العليا , وأين ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي ورد في الصحيحين " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله , إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس , والثيب الزاني , والمفارق لدينه التارك للجماعة " ( اللفظ للبخاري , أخرجه عن عبد الله بن مسعود في كتاب الديات ) وحتى مع فرض وقوع واحد من مبررات القتل الثلاث الواردة في الحديث الشريف التي يستحل بها دم مسلم ما , فمن الذي يتولى القتل ويصدر نفسه لهذه المهمة العظيمة ؟! يجب عن ذلك الحافظ ابن كثير في تعليق له على هذا الحديث الشريف ويقول " ثم إذا وقع شئ من هذه الثلاث فليس لأحد من أحاد الرعية أن يقتله , وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه " ( تفسير القرآن العظيم 1/506 - الحلبي ) فأين أفعال المسلمين إذن من الإسلام الذي ترتكب باسمه ظلما كثيرا من الجرائم والمخالفات ؟! , تلك هي البنود الخمسة التي ختمها القرآن الكريم بقوله تعالى " ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون " وقد خلع الله تعالى عليها صفة الوصية لحفز الخلق إلى الاهتمام بها ورعايتها اهتمامهم بالوصايا ورعايتهم لأصولها فيما بينهم فكما أن العرف فيما بينهم يوجب إنفاذ الوصية والاهتمام ببنودها فإن وصية الله تعالى أولى بالاهتمام لأن ما ورد بها من بنود هو حيثيات التعقل , فلن تجد العقول السليمة عسرا في الاستدلال على أن الموصي بتلك البنود رب جليل حكيم خبير , لا يأمر إلا بمقتضيات العقل السليم والتفكير المجرد , الذي يقود صاحبه لا محالة إلى الإيمان الصادق , وإن أخلوا بما أوصاهم به ربهم فإنما يخلون بأسس التفكر السليم ولا عبرة حينئذ بوصفهم بالعقلاء .

- المنزلة الثانية (التذكر ) :

لقد وقفنا في المنزلة الأولى ( التعقل ) على حيثيات العقل وأسباب التفكير السليم الذي لا يصطدم فيه عقل ونقل وأما منزلة التذكر فهي تؤسس للحياة الفاضلة والسلوك الرشيد الراقي , وذلك من خلال التدريب العملي على أخلاق ثلاثة أساسية في تقويم الأفراد الذين هم لبنات المجتمع , هي : التعفف , والعدل والإنصاف , والوفاء .

فأما الخلق الأول ( التعفف ) فقد أعطى القرآن عليه مثلا في الحفاظ على مال الضعيف المهضوم , لأن من حافظ علىمال الضعيف وتعفف عن أكله , كان لما سواه أحفظ أرعى , وخصوصا إذا كان هذا الضعيف يتيما لا ناصر له ولا معين معه ولا حافظ لحقه, فلا يتعدى على حقه حينئذ إلا خسيس الأصل , لئيم الطبع , ولا يحافظ على حقه إلا رفيع الهمة عالي المقدار كريم الأصل و الطبع , يمكن أن يستأمن على الأمانات ويسترعى المسئوليات , وذلك مأخوذ من قوله تعالى " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " وما قيل عن دلالات " تقربوا " عند قوله تعالى " ولا تقربوا الفواحش " يقال هنا أيضا من أن الله تعالى يحذر تحذيرا بالغا من أكل مال يتيم بغير حق أو التطلع إليه أو الطمع فيه فقال " ولا تقربوا مال اليتيم " لتكون أبلغ في التحذير من قوله " ولا تأكلوا " حتى تتم المحافظة عليه بأشد ما تكون وسائل الصيانة والحفظ وأما قوله تعالى " إلا بالتي هي أحسن " فهوا استثناء لرفع الحرج ودفع المشقة عن الأوصياء الذين يربون الأيتام في حجورهم , وربما دفعهم الحرص على أموالهم إلى التقصير في حقوق أيتام الأيتام الصحية أو المعيشية أو التعليمية حتى يدفعوا إليهم أموالهم كاملة عندما يبلغون أشدهم ويتحرجون من الإنفاق عليهم قبل ذلك , لكي لا يكون ذلك منهم تبديدا لأموالهم فأورد الله تعالى الاستثناء في قوله " إلا بالتي هي أحسن " لإرشادهم إلى أن الإنفاق على اليتامى من أموالهم بالحسنى والمعروف ليس تبديدا ولا إسرافا وإنما هو من الواجب الذي فيه مصلحتهم , وإن كان الوصي يريد أن ينتفع من مال اليتيم بشيء لأنه فقير , فلا بأس إن أكل بالمعروف , أما إن كان غنيا فالأولى له أن يستعف عن ذلك , لقوله تعالى " ومن كان غنيا فليستعفف , ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " ( النساء 6 ) وجاء قوله تعالى " حتى يبلغ أشده " لبيان الغاية التي ينتهي إليها حفظ الوصي لمال اليتيم وهي بلوغه سن الرشد والتعقل وأن تتوفر لدى اليتيم القدرة على التصرف في ماله تصرف العقلاء الراشدين لقوله تعالى " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " ( النساء 6 ) لكي لا تكون ثمة مصلحة لدى الوصي في استقبال المال تحت هيمنته وإدارته بلا غاية لتحقيق غرض في نفسه من مكثه تحت يديه , وإنما الهدف كله هو صيانته لليتيم على أكمل صورة حتى يبلغ القدرة على التصرف فيه تصرف العقلاء .

- وإما الخلق الثاني ( العدل والإنصاف ) : فقد جعله الله تعالى في شكلين : الأول إنصاف من النفس في صورة وفاء الكيل والميزان للآخرين في قول الله تعالى " وأوفوا الكيل والميزان بالقسط " ذلك لأن النفس مجبولة على التطفيف , وهو إلزام الناس بالوفاء وعدم الالتزام به معهم , فالإنسان يحرص على وفاء حقه كاملا إن كان مشتريا ولا يحرص على استيفاء الناس حقوقهم منه إن كان بائعا , والمسلم الحق هو الذي ينصف الناس من نفسه فيعطيهم حقوقهم منه على سبيل الوفاء والتمام وليس على سبيل العدل فقط أي أنه يهب لهم حقوقهم منه شراة كما يحب أن ينال حقه منهم بائعين , وذلك هو الإنصاف الذي يحب فيه المسلم لأخيه ما يحبه لنفسه , وليس من الضرورة أن يحصر الإنصاف في الكيل والميزان المعروفين في الماديات , فقد يكونا كيلا وميزانا في المعنويات في الحقوق التي تتعلق بحسن الجوار والزمالة والصحبة , وما شابه ذلك من الخلاق والآداب العامة التي تضبط علاقات الناس واتصالاتهم والتي يحرص فيها الإنسان غالبا على مصلحته الذاتية دون مصلحة الآخرين ويرى نفسه فقط صاحب الرأي الصائب دون الآخرين ويرى الحق معه فقط دون الآخرين , فذلك أيضا من باب وفاء الكيل والميزان , باعتبارهما أداتين من أدوات ضبط التعامل , ماديا كان أو معنويا , وأما الشكل الثاني من خلق العدل و الإنصاف فهو الحكم بالعدل ولو كان المحكوم عليه قريبا ممن يستوجب المحاباة أو يستأهل المجاملة وذلك من قوله تعالى " وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى " أي إذا صدر منكم حكم في قضية على إنسان فتوخوا العدل الكامل ولو كان هذا الإنسان في منزلة قريبة منكم , قرابة نسب أو مصاهرة أو جوار أو صداقة , فمراعاة حق الله تعالى من العدل  , أولى من مراعاة القرابة حينئذ , كما قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين , إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما , فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا " ( النساء 135 ) وقد عبر القرآن الكريم عن حكم العدل بأهم أدواته وأبسطها , وهو للقول " وإذا قلتم فاعدلوا " للتنبيه على الأعلى بالأدنى فكل العظائم تبدأ قولا , ولو كانت البداية عادلة منصفة لكان ما يترتب عليها طيبا حسنا , وللفت نظر المسلمين إلى أن الحرص على العدل في القول إشارة لهم إلى ضرورة الحرص عليه في الفعل أولى وأحرى , وإلى أن الأمة العادلة المنصفة لا بد أن تكون الكلمة فيها مبجلة , كل ذلك من باب التعبير عن الشيء بأداته , فهو تعبير عن الحكم ونتائجه   بأداة القول وسبب الكلام , فكم من القضايا تحسم بالأقوال ويبت فيها بالكلام .

- وأما الخلق الثالث ( الوفاء بالعهد ) :

فقد نسبة الله تعالى إليه لكي لا يدع للناس اختيارا للمحافظة عليه , فألزمهم بتلك النسبة إلى ضرورة المحافظة على العهد والميثاق , لأنه عهد الله " وبعهد الله أوفوا " لأن العهود عادة تلتمس باسم الله وتستوثق بذكره سبحانه ويطمئن الناس في وفائها وعدم الغدر بها لما احتوت عليهامن ذكر الله تعالى وشهادته جل شأنه , لذلك نسبهاالله تعالى إليه وجعلها عهدا معه, يدخل في ذلك كل ما يتعاهد عليه الناس من الوعود والمواثيق والعقود والاتفاقات والصفقات , التي يكون المسلم فيها صادقا إلى درجة الوفاء والتمام , حرصا منه على القيام بحقوق عهد الله تعالى , وقد نسبه الله تعالى إليه كذلك لكي لا يعامل فيه المسلم الناس بمثل ما يعاملونه من الغدر والخيانة والخداع وإنما هو مشغول بمقتضيات الوفاء لعهد الله وليس بالرد على ما يقوم به الناس معه من الغش والخديعة , فأمرهم إلى صاحب العهد يفعل معهم ما يشاء وليست خيانتهم مبررا لعدم وفاء العهد معهم , لأن العهد يوفى لله .

وختمت تلك الأخلاق الثلاثة بقوله تعالى في وصيته الخالدة " ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون " إشارة إلى أن الحرص على تفعيل تلك الأخلاق في الحياة العلمية أدعى إلى استبقاء الإيمان حيا وفعالا ومذكورا , فالإيمان بالتطبيق وليس بحفظ النظريات.

-   وأما المنزلة الثالثة ( منزلة التقوى ) فقد أتت تتويجا للإخلاص في المنزلتين الأوليتين : منزلة التعقل ومنزلة التذكر , لأن التقوى هي التحري وصدق العمل , وهو قانون العمل الإسلامي الجاد المخلص والدين الإسلامي الخاتم الذي جعله الله تبارك وتعالى طريقا مستقيما لا عوج فيه , فمن اتبعه بصدق ودقة نجا , ومن اتبع من دونه الأهواء والاعوجاج والالتواء هلك وتلف , وصدق الله العظيم " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " تلك مقومات عالمية الإسلام في صورتها الحقيقية , وليست في زيف التطبيق وزيف الفهم الخاطئ والتأويل الباطل , لقد أساء المسلمون اليوم للإسلام إساءة بليغة , لسوء تطبيقهم له وعرضه أمام الآخرين , فقد عرضوه بتطبيق مشوه بعيد عن حقيقة دعوته , فأساء غير المسلمين فهمه , بناء على تطبيق المسلمين له فظلم الإسلام ذلك مرتين , مرة في التطبيق ومرة في الفهم , وفي الحالتين يصر المسلمون في التمحك في النسبة إليه , فيصرون على صفتهم بالمسلمين ويصرون بالقدر نفسه على عدم تطبيق أحكامه كما أرادها الله , فلم إصرارهم على الصفة إذن ؟!

وبالله تعالى العون و منه المدد وعليه التكلان .